أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

17

العقد الفريد

عبد الملك ومدعو إلى غدائه : ودعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغداء ، فقال . ما فيّ فضل يا أمير المؤمنين . قال : لا خير في الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل ! فقال : يا أمير المؤمنين ، عندي مستزاد ، ولكن أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين . وقال الأحنف بن قيس : جنّبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام ، فإني أبغض الرجل يكون وصّافا لبطنه وفرجه . وقيل لبعض الحكماء : أي الطعام أطيب ؟ قال : الجوع ؛ ما ألقيت إليه من شيء قبله . وقال رجل من أهل الشام لرجل من أهل المدينة : عجبت منكم أن فقهاءكم أظرف من فقهائنا ، ومجانينكم أظرف من مجانيننا ! قال : أو تدري من أين ذلك ؟ قال : لا أدري . قال : من الجوع ، ألا ترى أن العود إنما صفا صوته لما خلا جوفه ! الثوري في ابنه : وقال الجاحظ : كان أبو عثمان الثوري يجلس ابنه معه ويقول له : إياك يا بنيّ ونهم الصبيان ، وأخلاق النوائح ، ونهش الأعراب ؛ وكل مما يليك ، واعلم أنه إذا كان في الطعام لقمة كريمة ، أو مضغة شهيّة ، أو شيء مستطرف ، فإنما ذلك للشيخ المعظّم ، أو للصبي المدلّل ، ولست بواحد منهما ، وقد قالوا : مد من اللحم كمد من الخمر . أي بنيّ ، عوّد نفسك الأثرة ، ومجاهدة الهوى والشهوة ، ولا تنهش نهش السباع ، ولا تخضم خضم البراذين ، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج ، ولا تلقم لقم الجمال ؛ فإن اللّه جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة ، واحذر سرعة الكظة ، وسرف البطنة ؛ فقد قال بعض الحكماء : إذا كنت نهما فعدّ نفسك من الزّمنى ؛ واعلم أن الشّبع داعية البشم « 1 » ، والبشم داعية السقم ، والسقم داعية الموت ؛ ومن مات هذه الميتة فقد مات

--> ( 1 ) البشم : التخمة .